إعلان قوات الدعم السريع عن تكوين حكومة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرتها يضع السودان أمام مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والعسكري. فبينما يعتبره أنصاره محاولة لإعادة ترتيب المشهد وفق رؤية فيدرالية، يراه خصومه تمهيدًا لمزيد من التشظي والانقسام في بلد يعاني أصلًا من أزمات متراكمة.
ما بين الفيدرالية والانفصال
ترتكز الوثيقة المُوقعة على فكرة الحكم الفيدرالي متعدد المستويات، وهو نظام قد يبدو في ظاهره محاولة لتحقيق اللامركزية، لكنه في سياق السودان الحالي يطرح تساؤلات مقلقة. فإلغاء قرارات الحكم المركزي منذ الاستقلال، مع الاحتفاظ فقط بإعلان 1955، يفتح الباب أمام تأويلات تتراوح بين محاولة إعادة هيكلة الدولة، أو السعي لإنشاء كيان مستقل تحت مظلة الحكم الفيدرالي.
هذا النموذج، رغم كونه معمولًا به في دول أخرى، لا يمكن عزله عن الظروف التي تشكلت فيها هذه الحكومة الموازية. فتكوين أجهزة تنفيذية وتشريعية وقضائية مستقلة، مع منحها سلطات مالية وضرائبية، يعزز من فكرة “دولة داخل الدولة”، وهو سيناريو يعيد إلى الأذهان تجارب مماثلة في دول شهدت انقسامات داخلية قبل الوصول إلى مراحل أكثر خطورة.
معضلة الشرعية والسيادة
دوليًا، لم تمر هذه الخطوة دون ردود فعل، إذ حذرت الأمم المتحدة من أن تشكيل حكومة موازية قد يعمق الأزمة في السودان، فيما تصاعدت التوترات مع كينيا التي وُجهت إليها اتهامات بدعم هذا المشروع. ومع استمرار الصراع بين الدعم السريع والقوات المسلحة، فإن أي محاولة لإنشاء كيان سياسي موازٍ لن تكون مجرد خطوة نظرية، بل ستعني إعادة تعريف موازين القوى، وربما جر البلاد إلى صراعات أكثر دموية.
ماذا بعد؟
السؤال الأهم الآن: هل يمكن لهذه الحكومة أن تستمر؟ في ظل غياب اعتراف دولي، ومقاومة من الحكومة المركزية في الخرطوم، فإن احتمالات نجاح هذا الكيان تبدو ضعيفة على المدى الطويل. ومع ذلك، فإن تشكيله يضعف سلطة الدولة المركزية، ويفتح الباب أمام سيناريوهات أخطر قد تشمل تفككًا أعمق، أو اضطرابات تقود إلى إعادة رسم الخارطة السياسية في السودان.
في النهاية، ما يجري ليس مجرد إعلان حكومة موازية، بل هو جزء من صراع على هوية السودان ومستقبله. فإما أن تكون خطوة نحو حل سياسي شامل، أو بداية لانزلاق طويل نحو مزيد من الفوضى.
